عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
220
اللباب في علوم الكتاب
ورابعها : أن المراد بقوله : « لنخرجنك يا شعيب » أي من القرية ، فيكون المراد بقوله : « أن نعود فيها » أي القرية .
--> - والجواب عن احتجاجهم بالآية : أنها قرئت بالنصب والجر والرفع ، وقراءة النصب والجر سبعيتان . قرأ بالنصب نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص عنه . وقرأ بالجر ابن كثير وحمزة وأبو عمر وعاصم في رواية أبي بكر عنه . وأما الرفع فقراءة الحسن . أما قراءة النصب فيكون أرجلكم فيها معطوفا على الوجه والأيدي . وقد روي عن علي رضي اللّه عنه أنه قرأ بالنصب ، وقال : هو من المقدم والمؤخر ؛ يعني أن « وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ » مقدم على « وَأَرْجُلَكُمْ » وهو مؤخر عنه - ونظم الآية على الترتيب هكذا : « فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم » وقرأ ابن عباس بالنصب ، وقال : يرجع إلى الغسل ، وكذلك مجاهد وعروة . والنصب صريح في الغسل فعلى هذه القراءة لا دلالة فيها على المسح . وأما قراءة الرفع فأرجلكم مبتدأ والخبر يحتمل أن يكون مغسولة أو ممسوحة على السواء . ولعل هذه شبهة القائلين بالتمييز بين الغسل والمسح . لكن أدلة الجمهور المتقدمة تعين أن الخبر مغسولة . وأما قراءة الجر فالجواب عنها من وجوه - أولا : قال سيبويه والأخفش وغيرهما : إن جرها بالجوار للرؤوس « لا بحكم العطف عليها » . مع أن الأرجل منصوبة . كما تقول العرب : « جحر ضبّ خرب » بجرّ خرب على جوار ضب ، وهو مرفوع صفة لجحر ، ومنه في القرآن إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ، فجر أليما على جوار يوم ، وهو منصوب صفة لعذاب ، ولا يعكر على الجر بالمجاورة وجود الواو ، فإن الجر بالمجاورة مع الواو مشهور في أشعارهم . من ذلك قول الشاعر : لم يبق إلّا أسير غير منفلت * وموثّق في عقال الأسر مكبول فجر موثقا لمجاورته منفلت ، وهو مرفوع معطوف على أسير . فإن قيل : الجر بالمجاورة إنما يكون فيما لا لبس فيه ، وهذا فيه لبس . قلنا : لا لبس هنا لأنه حدد بالكعبين والمسح لا يكون إليهما اتفاقا ويدل على أن الجر بالمجاورة لا بالعطف أن المسح لو كان في كتاب اللّه تعالى لكان الاتفاق فيه ، والاختلاف في الغسل . وقد اتفقنا على جواز الغسل . على أن السنة والإجماع قد بينا أن المراد من فرض الرجلين الغسل . ومع هذا فلا لبس مطلقا . وثانيا : قال أبو علي الفارسي قراءة الجر وإن كانت عطفا على الرؤوس ، فالمراد بها الغسل ، لأن العرب تسمي خفيف الغسل مسحا ، ولهذا إنهم يقولون : مسحت للصلاة . يريدون به الغسل . وإنما عبر عن غسل الرجلين بالمسح طلبا للاقتصاد فيه ، لأنهما مظنة الإسراف ؛ لغسلهما بالصب عليهما . وبجعل الباء المقدرة على هذا للإلصاق ، ولا للتبعيض . يدل لهذا أنه حد فرض الرجلين بالكعبين مع أن المسح لا يجب فيه الاستيعاب ، فدل على أنه أراد به الغسل . وثالثا : نقول إنها وإن كانت معطوفة على الرؤوس فإنه أراد به مسح الرجلين في حالة مخصوصة ، وهي حالة لبس الخف ، فالمراد بمسح الرجل مسح الخف . والتحديد بالكعبين ، مع أن مسح الخف لا يجب فيه الاستيعاب ، إنما هو لبيان محل الإجزاء فيه . وأما قول علي رضي اللّه عنه ، فإنه أراد به : إذا لبس الخف . لما روي عنه أنه مسح على الخف وقال : لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره ، ولكني رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مسح على ظاهر خفيه خطوطا بالأصابع ؛ ومن رأى المسح على الخفين لا يرى مسح الرجلين . وروى الحارث عن علي رضي اللّه عنه أنه قال : « اغسلوا القدمين إلى الكعبين كما أمرتم » . فدل على أنه أراد المسح في حالة لبس الخفين . وأما الجواب عن احتجاجهم بقول أنس فمن وجوه : أحدها : أن أنسا أنكر على الحجاج كونه الآية تدل على يقين الغسل ، وكان يعتقد أن الغسل إنما علم وجوبه من بيان السنة ، فهو موافق للحجاج في الغسل مخالف له في الدليل . وهذا الجواب هو -